قصة زواج البركة في غزة

قائم على مبدأ تحديد المهر وتقليل تكاليف الارتباط الزوجي
زفة عروس قرب حدود غزة ضمن فعاليات مسيرة العودة (مواقع التواصل)

زفة عروس قرب حدود غزة ضمن فعاليات مسيرة العودة (مواقع التواصل)

08:56 2019-09-11

عز الدين أبو عيشة

هواكم: بعد ثلاث سنوات من علاقة حب جمعت بين آية ومحمد، قرّرا الزواج، لكن ثمّة عراقيل كثيرة اعترضت طريقهم. هذه المرة، لم تكن عادات المجتمع التي ترفض فكرة الارتباط بعد معرفة متبادلة بين العروسين، بل كانت أعمق من ذلك، تكاليف الزواج وقيمة المهر، هي أكبر العقبات التي واجهت طريقهم.

بدأت علاقة آية بمحمد، عندما استلم الأخير عمله في مخبزٍ صغير، ومن فرحته وعدها بادخار كلّ دولار يتلقاه كأجر، حتى يتمكن من جمع قيمة مهرها ويتزوّجها. يقول محمد "أجني في اليوم ما قيمته خمس دولارات، وتمكنت خلال ثلاث سنوات من ادخار حوالى ثلاثة آلاف دولار".

وعندما شعر محمد أنه بات جاهزاً لخطبة آية، فاتحها بالموضوع. وتؤكد آية "أريد الارتباط به، لكن أهلي سيطلبون مهراً حوالى ستة آلاف دولار، وهو لا يملك تلك القيمة، وشعرت حينها أن طريقي في الحياة انتهت".

طبيعة الزواج

لا زواج مدني في غزة، بل ديني وبحسب العادات والتقاليد، التي تقضي بأن يتقدم أهل العريس إلى أهل العروس، ويطلبون خطوبة ابنهم من ابنتهم. وبعدها تحصل جلسة أخرى، تُحَدد فيها قيمة المهر، تُسمى "فصل الحق"، ويطلب خلالها والد العروس مهر ابنته. وجرت العادة أن يتراوح بين 4 آلاف و7 آلاف دولار.

وبعد الاتفاق على قيمة المهر، يجري عقد القران بواسطة مأذونٍ شرعي، وشهود من الطرفين، ثمّ يبدأ الاستعداد لحفل الزواج، ويكون في صالة أفراح، وتسبقه حفلة للشباب (السهرة) يشرف عليها أهل العريس، وأخرى للصبايا (الحنة) يحضّر لها أهل العروس، والإشهار الذي يقدم فيه العريس الهدايا للضيوف.

وخلافاً لذلك، يجهّز العريس شقة سكنية ليعيش فيها مع زوجته، تحتوي على غرفتَي نوم وضيافة، وأدوات المطبخ مثل الغسالة والثلاجة والأدوات الكهربائية.

يحتفلون بالعريس الذي تزوج قرب حدود غزة ضمن فعاليات مسيرة العودة (مواقع التواصل)

حلول أخرى

كل هذه المراحل تنتظر محمد وآية، واتفاق الأسرتين على قيمة المهر، ولكنه في الواقع لا يملك سوى 3 آلاف دولار يرغب في دفعها مهراً، وباقي التفاصيل لم يتجهز لها، فيقول "سألجأ إلى الدين من أحد الأقارب أو الأصدقاء، حتى أتمكن من إتمام فرحي". لكن محمد نسي أنّ الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في غزة لا يختلف عن وضعه، فنسبة البطالة تفوق حاجز 63 في المئة، والفقر يتخطى 35 في المئة، وموظّفو السلطة الفلسطينية يتلقون 60 في المئة من قيمة رواتبهم، وكذلك موظّفو حكومة حماس يتلقون 40 في المئة من رواتبهم كل 50 يوماً، وبصعوبة سيجد شخصاً يقرضه مبلغاً كبيراً لينهي استعداده لفرحه.

اقترحت آية عليه أن يلجأ إلى جمعيات تيسير الزواج، التي توفّر له مستلزمات الفرح، مقابل الدفع بالتقسيط لمَن يرغب، وهي تستند إلى توقيع الزوج على "كمبيالة" (ورقة دفع مالية تلزم الطرف الثاني بالوفاء بمبلغ من المال في تاريخ معيّن)، على الرغم من المخاوف التي تحوم حول هذا الاقتراح، من أن يتعرّض للسجن إذا لم يستطع الالتزام بتسديد المبالغ الشهرية في مواعيدها، وقد تتراكم عليه.

"زواج البركة"

وأثناء تصفح محمد موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وجد إعلاناً يروّج لفكرة "زواج البركة"، وهي مبادرة شبابية غير إلزامية تقوم على مبدأ تقليل تكاليف المهر والزواج، بما فيها الحفل وتجهيز الشقة السكنية.

وتعتمد المبادرة على ثلاثة محاور أساسية يشرحها صاحب الفكرة محمود كلخ، قائلاً إن "المحور الأوّل هو تحديد قيمة المهر بما يعادل 1500 دولار أميركي، ويأتي ذلك كنوع من الإحساس بالمسؤولية المجتمعية تجاه الشباب الذين يصارعون الحياة في غزّة، ولا يجدون قوت يومهم"، فينقذ خفض قيمة المهر إلى ذلك الحد، المقبلين على الزواج من الديون. ويوضح كلخ أن الهدف هو تصفير الديون، أي يخرج الزوج من تكاليف الفرح من دون ديون متراكمة عليه، حتى لا تبدأ المشاكل بعد ذلك، التي تقود في كثير من الأحيان إلى الطلاق".

أما المحور الثاني من المبادرة، فيتمثل في أن تعيش الزوجة في بيت العائلة مع ضمان الاستقلالية لها. ويشير كلخ إلى أنّ فكرة استقلالية الزوج في بيت خاص بالإيجار غير مجدية، بخاصة أن قيمة إيجار أي شقة لا تقل عن 200 دولار، ولا يوجد شاب يستطيع تحمل هكذا مسؤولية.

والمحور الثالث يأتي في إطار تقليل تكاليف الزواج، أي أن تكون التكاليف مركزة في صالة الفرح، وخلالها يتم الإشهار وحفلة الزواج، من دون إسراف، وفق كلخ، الذي يصف المبادرة بأنها "زواج شرعي يتبع العادات والتقاليد والأصول المعمول بها في فلسطين" ويجري التسجيل فيه من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، فيسجّل الشاب أو الفتاة اسمهما وتفاصيل أخرى في منصة مخصصة. ويوضح أن تسجيل الفتاة لا يُقبل، إلاّ بعد التواصل مع ولي أمرها وأخذ موافقته على تفاصيل الاقتراح.

نساء يباركن لعروس تزوجت قرب حدود غزة ضمن فعاليات مسيرة العودة (مواقع التواصل)

ويطمح كلخ إلى أن تصبح هذه المبادرة عرفاً سائداً في فلسطين، ويسعى إلى ذلك من خلال تنظيم لقاءات مع أولياء الأمور والعشائر وبعض المؤسسات الخاصة. وعن ردة الفعل حيال ما يطرحه، يوضح أنه لاقى استحساناً كبيراً.

وأبعد من هذه المبادرة، يعتبر أنّها تعمل على الحد من هجرة الشباب، إذ وجد وفق الإحصاءات أنّ أكثر من 40 ألفاً غادروا غزّة لأسباب أبرزها عدم القدرة على الزواج، نظراً إلى تدني فرص العمل.

وكذلك، تعمل المبادرة على فكرة تأخير سن الزواج (العنوسة)، من سن الـ 20 حتى 30 سنة. ومنذ إطلاق الحملة قبل أسبوع، سُجّلت 10 حالات خطبة، من أصل حوالى ألف مسجل.

رأي الشرع

من الناحية الدينية، يقول كلخ إن لا مشكلة بما أن الموضوع قائم على التراضي والموافقة، بينما يعتبر رئيس مجلس القضاء الأعلى في غزّة حسن الجوجو هذه المبادرات فردية ولا علاقة لها بالمؤسسة القضائية.

وحول تحديد المهر، يوضح الجوجو أنّه لا يجوز في الشرع، إذ تخضع مسألة المهر إلى معايير، منها مكانة الزوجة الاجتماعية ووضعها ووضع الزوج، مبيناً أنّ المشكلة ليست في قيمة المهر، بل في تبعات الزواج.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات

لا يوجد تعليقات في الوقت الحالي!

أضف تعليقك

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا نتحمل مسؤولية الأراء الورادة بهذه التعليقات